الفاقدون ما بين الضغط النفسي والاكتئاب في ظل الكورونا / بقلم خليل عيساوي

هناك العديد من المنغصات الشعورية واللاشعورية التي تخل بنظام الصحة النفسية، ومن أهمها الضغوط النفسية. من الصعب إعطاء تعريف واضح وشامل لمصطلح الضغوط النفسية، إذ أنها تختلف من فرد إلى أخر، فما يُعتبر ضغطاً لأحدهم لا يعتبر للأخر.
لقد اجتاحت أزمة الكورونا العالم بشراسة كبيرة، وافترس هذا الفيروس العديد من البشر وفتك بعددٍ منهم وأفرجَ عن غيرهم. وقد لاحظ المعظم أن العالم لم يكن جاهزاً لمواجهة أزمة كهذه على أقل تقدير من الناحية النفسية. فنلاحظ اختلال البرامج الحياتية المختلفة، وهبوط اقتصاد العالم بشكل كبير، الأمر الذي يؤدي الى أزماتٍ مالية لدى الكثير من الأفراد، فتراهم لا يستطيعون تلبية الحاجات الأساسية لهم ولأبنائهم. تعتبر هذه الأزمات وأزمة الكورونا بالذات احدى أهم منغصات الصحة النفسية لدى الأفراد، وإحدى العوامل الأساسية المولدة للضغوط والصراعات النفسية.
تتعرض المرأة المطلقة والأرملة للكثير من الضغوط الاجتماعية والنفسية في الوضع الطبيعي، أي بخلو المجتمع من أي وباء، وذلك باعتبار الطلاق وصمة عار عند بعض المجتمعات، وكذلك الأمر بالنسبة للمرأة التي تفقد زوجها. فتتعرض المطلقة والأرملة للكثير من الانتقادات الاجتماعية السلبية التي تولد لديها العديد من الضغوط النفسية.
إلا أنها تستطيع التغلب على هذه الضغوط في الوضع الطبيعي، حيث أنها تستطيع الالتقاء بصديقاتها وممارسة حياتها بشكل طبيعي وتكوين علاقات اجتماعية ناجحة، متجاهلةً بذلك الأصوات التي تناديها للركود في بيتها أو الزواج مرة أخرى من اجل ما يسموه السترة.
تدخل المطلقة والارملة بصراعات نفسية شديدة، ما بين الرغبة في تحقيق الذات وارضاء المجتمع، بين بناء مستقبلِ لها وبين الجلوس في البيت أو الزواج مرة أخرى مرغمةً على ذلك.
قد تستطيع مواجهة الضغوط النفسية والتغلب على الصراعات النفسية والاجتماعية في الوضع الطبيعي، وذلك من خلال ممارسة النشاطات الاجتماعية المختلفة، ممارسة الرياضة، ابتكار وتبني هواياتٍ معينة، التفرغ للعمل أو حتى من خلال التفرغ لتربية الأبناء في حال وجودهم.
لكننا نتكلم اليوم عن وضعٍ غير طبيعي، فيروس صغير قد احتل العالم ولا علاج له حتى الأن، والوقاية منه هي فقط الجلوس في البيت والابتعاد قدر الإمكان عن الناس وعن الأماكن المكتظة.
نطرح هنا السؤال التالي: كيف ستواجه المطلقة والارملة الضغوطات والصراعات النفسية والاجتماعية في ظل أزمة الكورونا وفي ظل وجوب البقاء في البيت؟!
فالنقل انه من ناحية الصراعات والضغوط الاجتماعية فإنها ستنعدم تقريباً في ظل هذه الأزمة، وذلك بسبب الابتعاد عن أقرب المقربون من الناس وعدم المخالطة.
أما ما يتبقى فهو الصراع والضغط النفسي! بين استرجاع الذكريات والتأمل المطول واحلام اليقظة.
بشكل عام، حين يفقد الفرد شخصاً عزيزاً عليه، كأن يفقد شريك حياته مثلاً، فإنه يلجأ للمساندة والعلاقات الاجتماعية للتخفيف من الضغط النفسي الناتج عن هذا الفقدان، كما يلجأ لأساليب التفريغ النفسي المختلفة. لكن عندما يكون وحيداً، غير مخالطٍ للمجتمع فإن الضغط والصراعات النفسية تعود من جديد وبوتيرة أعلى من ذي قبل.
هذا ما ينطبق على المطلقة والأرملة في اغلب الأحيان، فهي عاشت فترة لا بأس بها مع شريكِ لها حيث قاسمها أفراحها واحزانها ومسؤولياتها، وحين فقدته فإنها لجأت للمساندة الاجتماعية من أجل تعويض هذا النقص وهذا الفراغ المتبقي على أثر الفقدان.
وفي ظل هذه الأزمة، وابتعادها وانعزالها عن المجتمع كافةً، وعدم إمكانية العمل في ظل هذه الظروف كإجراءاتٍ وقائية من هذا الفيروس، يشتعل هنا فتيل الضغط النفسي!
لو لم اتسرع في طلب الطلاق! ولو أن زوجي ما زال حياً! لو كنت فعلاً قد أنجبت قبل وفاته! كلها أمنياتٌ تبدأ بالظهور تدريجياً مع الشعور بالندم بالنسبة للمطلقة وتمني ما هو مخالفٌ للطبيعة والقدر بالنسبة للأرملة، فماذا يحدث لو أن شريكي أو زوجي موجودٌ معي ها هنا؟!
تعيش الأن فترة انعزال تام، لا يوجد أي علاقات اجتماعية واقعية وانما فقط علاقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتي لا يمكنها اشباع الحاجات التي تشبع عند اللقاء والكلام وجهاً لوجه. في فترة الانعزال، وبعد مرحلة التمني تدخل مرحلة التخيلات، والرغبة الملحة في اشباع الحاجات الفيسيولوجية الضرورية! ويشتد الأمر سوءاً حين تبدأ بالمقارنة بينها وبين صديقاتها أو قريباتها، والأسوأ من ذلك أن يكون لها أبناءٌ مستقلين كلٌ في بيت مستقل له، لا يقومون بزيارتها خوفاً اما من نقل العدوى او استغلالاً للأزمة للابتعاد عن امهاتهم.
ضغط نفسي شديد يتولد لدى هذه المرأة، وقدر كبير من التفكير في ذات الموضوع، والذي لا تجد له حلاً منطقياً، فتدخل في مرحلة أحلامِ اليقظة، فالسؤال هنا: هل يمكن أن يؤدي الضغط النفسي الى الاكتئاب؟ وهل يمكن أن يؤدي الى الانتحار أو كحدٍ أدنى الى إيذاء النفس؟ هل يمكن أن يؤدي التفكير الشديد الى زعزعة الايمان بالله والقضاء والقدر؟ ما هي تأثيرات هذا الضغط والصراع النفسي في هذه المرحلة والأزمة؟ فما الحل؟
كل ما ذكر أعلاه واردٌ حدوثه بنسبٍ متفاوتة بين الأفراد، فكل فردٍ لديه طريقته بالاستجابة للضغوط النفسية ومواجهتها لا شعورياً او شعورياً، فيعتمد التغلب على هذه الضغوط على أنماط الشخصيات المختلفة. فكيف تواجه هذه الفئة من النساء الضغوط النفسية الناجمة عن الفقدان؟
تعتمد مواجهة هذا الضغط والوقاية من نتائجه من الأمور التي تحتاج بدايةً الى الادراك التام بأن الانسان يستطيع مواجهتها من خلال تغيير أسلوب حياته وتغيير أفكاره السلبية اتجاهها.
ينسخ المعظم برنامجه اليومي في هذه الأزمة، ويلصقها لليوم التالي واليوم الذي يليه، وما بعده كما قبله. بالطبع، هذا أمر غير مستحب ويجب الابتعاد عنه قدر الإمكان، من خلال بناء برنامج يومي بعيد قدر المستطاع عن الروتين ومحاولة الانشغال بأعمالٍ تفيد الفرد في إدراك ذاته.
يستطيع الفرد أن يمارس الرياضة المنزلية بشتى أنواعها كوسيلة لمواجهة الضغوط، كما يستطيع تنمية أو حتى ابتكار بعض الهوايات التي لا يستطيع تطبيقها في الوضع الطبيعي لانشغاله بأعمالٍ أخرى، ان لم يكن من رواد القراءة فليحاول أن يقرأ ما يمكن أن يثير اهتمامه حتى لو كان القليل، من الممكن البدء بدراسة مشاريع اقتصادية مستقبلية، أو مشاريع بيتية تواكب هذه الأزمة، وغيرها من الأمور الأخرى التي يستطيع الفرد انتهاجها للابتعاد قدر الإمكان عن الروتين ووقت الفراغ القاتل اذي يجعله يلجأ فيه للتفكير من دون جدوى.
نحن في أزمةٍ عالمية، فيروس صغير لا علاج له، والوقاية هي البقاء في البيت، علينا اتباع الارشادات الوقائية الصحية وعدم اهمال الصحة النفسية والتي لا تقل اهميةً عن الصحة الجسمية.

انشر هذا الخبر عبر الفيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.