قراءة في قصة :"عصفور في السماء" للكاتب : سهيل عيساوي .. بقلم: صالح أحمد

قراءة في قصة :"عصفور في السماء" للكاتب : سهيل عيساوي .. بقلم: صالح أحمد

 2018-05-12 04:52:23

بقلم: صالح أحمد (كناعنة)

 

مدخل:

الكاتب المربي سهيل عيساوي.. دخل عالم أدب الأطفال من أوسع أبوابه.. فهو أديب بالفطرة.. شاعر موهوب، له عدة إصدارات شعرية.. وهو إلى جانب ذلك مؤرخ ما يمنحه الخبرة في مجال السرد والحكاية.. كما أنه كتب القصة والخاطرة ببراعة، إضافة إلى كونه مربٍ ومدير مدرسة ابتدائية، الأمر الذي جعله قريبا من عالم الأطفال يدرك تماما ما تحتاجه فطرتهم البريئة وخيالهم الواسع وفكرهم النامي.. وبنفس الدرجة؛ هو مطلع أيضا على شرائح المجتمع وانماط سلوك الأهالي وأنماط تفكيرهم ووعيهم لمشاكل الأبناء..

جاء انتقال الأستاذ سهيل عيساوي إلى عالم أدب الأطفال مدروسًا متوافقا مع خبراته ومع مهنته، ومع أفقه التربوي والفكري ومشروعه الأدبي الإنساني والحضاري... وقد أتحفنا حتى الآن بالعديد من قصص الأطفال التي على الأغلب جاءت تحمل خلاصة تجربته التربوية.. ونظرته المجتمعية..

قصة: "عصفور في السماء" جاءت حلقة منسجمة مع واقعه كمربٍ وكأديب يرى بالأدب رسالة تربوية أجتماعية حضارية وإنسانية بكل ما للكلمات من معانٍ وأبعاد..





فكرة القصة:

قصة "عصفور في السماء".. ترتكز إلى فكرة بسيطة.. عاشها الأستاذ سهيل الانسان والمربي بحذافيرها من خلال عمله، ومن خلال وعيه التربوي والإنساني.. لينقلها لوعي القارئ الطفل، والقارئ الأب على حد سواء.. – وهذه إحدى ميزات قصص الأستاذ سهيل: إنها تخاطب خيال الطفل ووعيه المتفتح، كما تخاطب وعي الآباء لتفتح أعينهم وتنبه أذهانهم لحقائق الحياة المحيطة بهم وبأبنائهم- كأني به يوجه رسالة للكبار: "اقرأوا قصص الأطفال لتدركوا عالمهم، ولتمتلكوا لغة وأدوات التخاطب والتعامل السليمة معهم"

إنها قصة ترتكز إلى واحد من أكثر الأمور خطرًا على حياة الأطفال: "الحذر على الطرق" في واقع أصبح الطريق فيه مليئا بالمخاطر.. الأمر الذي يستوجب توعية للأهل والأبناء معًا؛ وبنفس المقدار ..

القصة تتحدث عن طفل تفلت من يد والده بعد خروجهما من مدرجات ملعب كرة القدم، متأثرَين منفعلين من خسارة فريقهما المحبوب.. وخاصة الطفل "تامر" –بطل القصة- الذي تأثر حد البكاء وذرف الدموع.. ما جعله يمشي ذاهلا وقد تفلت من يد أبيه لينطلق إلى الشارع باكيا ذاهلا شارد الفكر.. فكانت النتيجة أن صدمته سيارة مسرعة وقذفت به بضعة أمتار لقوة الصدمة، ما أدى لإصابته إصابة بالغة احتاجت لعدة عمليات معقدة أدت إلى موته المؤسف والمحزن بالنهاية..





العبرة من الحادثة:

أراد الأستاذ سهيل أن يلفتنا إلى أمرين متوازيين:

الأول: طفل يعبر الطريق في حالة حزن وذهول وشرود!  – مؤشر خطرٍ كبير-

الثاني: الطفل تفلت من يد أبيه الذي لم ينتبه لخطورة الأمر؛ خاصة وأن ابنه كان في حالة حزن وذهول وشرود وبكاء!! –مؤشر خطر أكبر- فمسؤولية الأب هنا عن الحادث الذي وقع لابنه تفوق مسؤولية الطفل بدرجات.. كيف لا؛ وهو الأب الواعي المدرك يغفل عن ابنه ليقع له ما وقع !

إنها رسالة موجهة للجميع.. للأطفال وللآباء وللمجتمع كله على حدٍ سواء.. "الوعي والحذر.. يبعد الخطر"

أفكار موجِّهة في القصة:

لا تخلو القصة من أفكار ومواضيع أخرى مصاحبة للفكرة المركزية – لا أعتبرها ثانوية مطلقا لأنها تدعم الفكرة الأصلية من ناحية؛ ولحملها رسائل تربوية توعوية لا تقل أهمية عن الفكرة المركزية من ناحية أخرى.. وقد جعلها الكاتب تمتزج مع الفكرة المركزية لتكوِّنَ المكمل الطبيعي لها؛ بل والرافد المنطقي لتصاعد الحدث المركزي إذ جعلها تشكل الأسباب والنتائج المترتبة على الحدث المركزي لتغذيه وتدعمه واقعيا وشعوريا ومنطقيا وسلوكيا ..

1-      الهوس المتصاعد بالرياضة.. وكرة القدم تحديدًا، حيث أصبح يشكل عنصرًا مغذِّيًا لحالات الفراغ الفكري والشعوري التي باتت تهدد علاقات شبابنا ونظرتهم للحياة.. بل باتت تفتح الباب على أنماط من الحوار الصاخب والعنيف والبعيد كل البعد عن المنطق الأخلاقي والحضاري والتثقيفي للرياضة.. وكم من حالات عنف حصلت بين شبابنا مبعثها الهوس الرياضي، والتعصب الأعمى لفريق دون الآخر!! ليصبح ما يسمى (الأخلاق الرياضية) مجردًا من كل معنى، ويصبح المشجع غير مستعد لتقبل أي نتيجة إلا أن يفوز الفريق الذي يشجعه! ويبدأ باختلاق المبررات والحجج والاستعداد لمعركة من الجدل القائم على التعصب اللاواعي، ورفض أي مبررات وتفسيرات من الطرف الآخر.. ما يقود في كثير من الأحيان إلى المواجهات والعنف الكلامي والجسدي أيضا.. متناسين أن الرياضة "تسامحٌ ومحبة واحترام" (ص9)

2-      مرض المبالغة (تضخيم الأمور) وارتباطه بمرض الشائعات...  وهي ظاهرة مقلقة أقدر عاليًا التفات الأستاذ سهيل لها، وعرضها بشكل راقٍ بقوله: "انتشر خبر دهس تامر في القرية كانتشار النار في الهشيم، ونسجت إشاعات بلا أرجل" (ص20).. نعم إنه مرض نفسي مجتمعي شائع في مجتمعاتنا للأسف!.. إذ ما إن يسمع الناس خبرًا حتى يبدأ كل فرد بنسج القصة التي يخترعها خياله أو مزاجه حول الحادث، دون التحقق من الأمر، ودون توَخٍ للحقيقة، ودون مراعاة لمشاعر المصاب وأهله ومن يخصهم أمره.. وكم أصاب الكاتب في وصفه لوضع عائلة المصاب في ظل هذا الأمر المريع بكل دقة مؤثرة ومؤلمة ومثيرة للضمير الإنساني الحي: "فابنهم يصارع الموت، وأفواه النّاس المريضة تجتر الأكاذيب، وتؤلف القصص وتسترسل في التحليل والتفسير" (ص20)... حالة مرَضِيَّة يجب الوقوف عندها، وتوعية المجتمع لمحاربتها والكف عنها... وقد أبدع الكاتب إذ لم يذكر شيئا من الكلام الذي يقال في مثل هذه الحوادث، أو أنواع الشائعات التي يحلو للناس إطلاقها.. بل سكت عنها ليوصل العبرة المجملة:- "كل شائعة مهما كانت فهي مرفوضة لأنها سلبية وغير أخلاقية وهدامة في كل الأحوال"

3-      التعاطف الاجتماعي... والمرتبط أصلا بالعاطفة الإنسانية.. وهو أمر محبذ محمود شرط أن يلتزم حدود المعقول والمنطق والوعي.. ولكن أن يتحول إلى مظهر انفعالي يخلو من الموقف السليم الصحيح.. فسيتحول إلى عنصر هادم وضار، كما أشار الكاتب هنا بقوله: "وأهل القرية يزورون المستشفى بالمئات، وهاتف والده لا ينفك عن الرنين" (ص23) .. مشهد نراه يتكرر في قرانا ومجتمعنا ككل، والسؤال الذي أراد الكاتب أن يطرحه على كل قارئ صغير أو كبير: هل هكذا يكون التعاطف والتضامن؟ كيف سيمارس المستشفى مهامه بوجود المئات بين خارج وداخل للمستشفى؟ ألا يكفي الوالد مصيبته وقلقه على ولده لتطارده المكالمات التي لا تتوقف ولا تنتهي؟ ألا يكفي أن تكون مشاعرنا وأحاسيسنا الصادقة مع الأهل في هذا الموقف تدفعنا للدعاء له والاطمئنان عليه من بعيد.. وترك الأهل يتابعون حال ابنهم بدلا من استقبال الوفود والاستماع إلى أسئلتهم المتكررة والرد على مكالماتهم التي لا تتوقف؟

4-      المبادرة والسؤولية: في حالات كهذه يجب على المسؤولين أخذ دورهم الفاعل والإنساني الصادق والبنّاء.. "تقاطر المسؤولون والاخصائيون على المدرسة للتهدئة من روع التلاميذ والمدرسين، تحدثوا عن تامر التلميذ المجتهد، عن حوادث الطرق، عن أسباب الموت..." (ص24) فالاستاذ سهيل يركز على هذا الجانب اعتمادًا على كونه مربٍ في الدرجة الأولى.. يحمل رسالة تربوية اجتماعية وإنسانية راقية..

عناصر أسلوبية:

1-      عنصر التشويق: الأستاذ سهيل عيساوي أديب له باعه الطويل في الشعر والأدب، وهو يمتلك القدرات التعبيرية والأسلوبية الراقية... ما جعله يبدأ قصته -التي يعرف مسبقا أن موضوعها المركزي محزن وكئيب- بعنصر التشويق.. مشفوعًا ومصحوبا بلغة جذابة من شانها أن تشد القارئ لمتابعة قراءة القصة.. ومن أهم عناصر التشويق التي اختارها الكاتب بوعي وذكاء، أن يجعل تامر (بطل القصة) مهووسا بلعبة كرة القدم المحبوبة لدى الجميع، وهي نقطة مهمة.. ثم زيَّنها بلغته الآسرة، وتعابيره البسيطة المحببة بأن جعل بطله تامر طفلا شقيا.. "ورغم شقاوته يحبه الجميع لحلاوته ونغاشته" (ص2) فالكلمات: "شقاوة، نغاشة، حلاوة..." محببة لدى القارئ الطفل، تثير مشاعره، وتحفز انفعالاته وتزيد من رغبته وتشوُّقه لمتابعة القراءة..

 

2-      عنصر المبالغة: يعتبر عنصر المباغة من العناصر المحسنة للتعبير، ولكنه أيضا قد يشكل منزلقا خطيرا حين يزيد عن حده.. فمثلا في قول الكاتب: "كلماته تخرج من فمه مثل العسل" (ص2) نجد وصفا راقيا.. يحمل مبالغة محببة لطيفة رائعة.. ولكن في قوله: "وأمه تطبع على خده قبلة يُسمَعُ صداها لدى الجيران" نجد مبالغة فاقت حد المعقول.. وكذلك في قوله : "شعر الأب أن دموع الأم تغلغلت عبر الأسلاك وانتشرت مع الأثير" (ص14) مبالغة تثير المشاعر بشدة، وتحمل القارئ على التعاطف مع الموقف بقوة، ولكن في حالة القارئ الطفل، ستجعله يرتبك أمام المشهد الذي قد لا يستوعبه عقله البسيط، ولا خياله الساذج..

3-      التشبيه: وهو من العناصر التي من شانها أن تجمِّل الصورة والمشهد، وتقربه من خيال القارئ وحسه.. استخدمه الكاتب في أكثر من موضع، أهمها قوله: "كلماته تخرج من فمه مثل العسل الحُر" (ص2) تشبيه الكلمات بالعسل دارج بين الناس ومألوف للكبير والصغير، وقد أضاف حلاوة وتشويقًا..

 ولا أدري لماذا أضاف الكاتب هنا كلمة "الحر" التي لا تضيف جمالا للتشبيه ولا للدلالة والمعنى! بل قد تربك القارئ الطفل..

والتشبيه الثاني الرائع في قوله: "ضحكاته تشق سكون الفضاء مثل حلاوة شرقية شهية وموسيقى بلا عَزف" (ص3) وهو تشبيه مركب.. "تشق سكون الفضاء" تشبيه بليغ (استعارة جميلة موحية ومعبرة) ولكنها صعبة على خيال الطفل.. "مثل حلاوة شرقية" تشبيه جميل معبر ومشوّق، قريب من وعي الطفل وخياله، خاصة أنه ربط الضحكة بالحلاوة، فالصورة مألوفة محببة لخيال الطفل ووعيه.. "وموسيقى بلا عزف" تشبيه راقٍ، ولكنه أيضا قد يربك خيال الطفل بالبحث عن ماهية الموسيقى بلا عزف..

4-      خاصيّة حسن التّخلص: وهي خاصية تميز بها الشعر العربي الكلاسيكي، تمكن الشاعر من إنهاء موضوع ليدخل في موضوع آخر بسلاسة، ودون أن يترك فجوة في التعبير، أو ضعف الترابط بين الصور التعبيرية والموضوعات.. وقد استخدمها الكاتب هنا في قصته بلباقة ليتخلص من موقف نفسي محرج في المشهد التالي: "دخلت المعلمة إلى الصف وهي حائرة؛ كيف تخبر زملاءه بما حدث لتامر؟ بينما هي حائرة في أمرها.. قال صديقه سامر: دهس تامر يا معلمتي! المعلمة: أجل سوف نتحدث عن الحادثة؟" (ص21)...

لم ينقذ سامر المعلمة من حيرتها فقط، بل أنقذ الكاتب! لأنه أكثر حيرة من المعلمة! فهو من سيضع الكلمات على لسانها، وهو لا يجد الكلمات المناسبة لهذا الموقف.. فتخلص منه بأن جعل سامر ينقل الخبر ببساطة.. وتخلص منه ثانية في قوله على لسان المعلمة: "سنتحدث عن الحادثة" واكتفى بذلك، ولم يورد حديثا بالموضوع، بل تهرب من الخوض بالأمر، وتركه مفتوحا لعقل القارئ يحلل ما يمكن أن يكون الحديث وكيف يمكن أن يدار...

وحقه علينا أن نعذره في هذا؛ إذ ليس من السهل الخوض في موضوع الموت مع الأطفال.. وخاصة كون الميت زميلهم في الصف.

لفتات تربوية:

1-  الدلال: بدأ الكاتب القصة بموضوع مهم جدا.. إنه الدلال الزائد، أحد أساليب التربية الشائعة في مجتمعاتنا، وخاصة للطفل البكر، وجاءت لفتة الكاتب إلى كونه الابن البكر موحية (ص2).. لأن مجتمعاتنا فعلا تبالغ في تدليل الولد البكر وخاصة إذا كان ولدا ذكرا، مما يجعلهم يتغاضون عن شقاوته، بل ويغذّونها بالتشجيع.. ويرون كلماته البذيئة، وتصرفاته الوقحة  –التي يلقوننه إياها عمدا.. مثل العسل (ص2) الأمر الذي من شأنه أن يفسد سلوك الطفل، ويعرضه للمخاطر.

2-  حسن المواساة: قول المستشارة : "لأننا نحب تامر علينا أن نذكره بالخير"(ص25) (أذكروا محاسن موتاكم) "الحياة يجب أن تستمر"  (ص25)

وقول المعلمة "إن تامر مثل ابني، عزائي الوحيد أنه عصفور على باب الجنة" (ص25)

3- تكريم الانسان بما يحب.. "إقامة دوري كرة قدم مصغر على إسم تامر" (ص27)

4- التبرع عن روح الميت بما ينفع مجتمعه : "تبرعت أسرته بمجموعة من قصص الأطفال لمكتبة المدرسة صدقة جارية عن روحه" (ص27)

خاتمة:

نحن أمام قصة تربوية.. تناولت موضوعًا مهمًا جدًا.. وعلى جانب كبير من الخطورة في حياتنا.. ومن الضروري التنبيه إليه والتأكيد عليه في كل المجالات..

رغم خطورة الموضوع وصعوبة تناوله وخاصة للأطفال.. نجح الكاتب في إيصال الفكرة، وقد دعّمها بلفتات تربوية مهمة جدا، أثرت الموضوع وزادته أهمية وتشويقا، وجعلته ملائما للكبار والصغار على حد سواء..

نحيي الأستاذ سهيل عيساوي الكاتب والمربي.. ونتمنى له مزيدا من العطاء والابداع والتألق..

 

 


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع مندا - 2013
(الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها فقط)

 ارسل لنا خبر  |  إتصل بنا

Powered by BldnaHitech
بلدنا هايتك - بناء وتصميم مواقع انترنت