انتخابات بدون صراعات .. بقلم: مصطفى عبد الفتاح

انتخابات بدون صراعات .. بقلم: مصطفى عبد الفتاح

 2018-01-24 11:41:26

بقلم: مصطفى عبد الفتاح

بوتيرةٍ مُتسارعة تتحوَّل قُرانا وبَلداتِنا العربيَّة من مُجتمعات تقليدية، بطريركيَّة، قبائلية، وحمائلية وملليَّة مُحافظة، الى حالة انتقالية لمجتمع مدني او متمدِّن، ولكنَّه مضطَّرب مشوَّش غير واثق بنفسه، يشوبه الكثير من التفكُك وعدم الانضباط والفَوضى، فيه انحسار السُّلطة الابوية للزعيم في القبيلة او سُلطة الاب في العائلة الصَّغيرة، وصُعود نُخَب مُتَعلِّمة غير مُثقَّفة تُقوِّض القديم وتتخبَّط في بناء الجديد.
هذا المُجتمع القروي المتمدن أصبح فيه الفرد سيِّد نفسه وصاحب القَرار الأوَّل في حياته بعيدًا عن بقية انتماءاتِه، مُجتمع تسودَه الانانيَّة والذَّاتيَّة، وتطغى فيه المصلحة الشخصية على كل مُقوِّمات الحياة.
يعيش هذا المجتمع الانتقالي حالة إختلال في المفاهيم والقِيَم الاجتماعِيَّة والثقافِية والسياسية، أصبح التنكُّر للماضي باسم التمدُّن والتقدُّم والازدِهار سمة طاغية، قيمة الأرض التي كانت رمز البقاء أصبحت تحسب بالدولار، أصبح الكبير يخاف من إهانة الصغير إذا ابدى رايه، بعد ان كان احترامه مقدس، اصبح قتل المرأة على خلفية ما يسمى "شرف العائلة" خبر يومي، حمل السلاح الذي كان رمز للخيانة والعمالة، أصبح حاجة للدفاع عن النفس وعلى ظهور الاشهاد، الانتماء الوطني أصبح مجرد وجهة نظر وربما وغيرها العشرات من أوضاع التخبط، الامر الذي أدَّى الى تقوقُع البعض وتراجُعَهُم واخلاء السَّاحة لقوي ونفوذ جديد قد تبدو غريبة أحيانا على حياة القرية المُتَمدِّنة.
هذا الوضع الذي يسود القرية المدنية، أدى أيضا وبالمُقابل الى تزاحم شديد بين مُكوِّنات المُجتمع الجديد على النُّفوذ والسَّيطرة والسُّلطة، مما يفسِّر بشكل واضح استغلال الوضع من قبل مجموعات مثقَّفة ومتعلِّمة للوضع من اجل الوصول الى قِمَّة الهرم المُتمثِّل في رئاسة السلطة المحلية.
وهناك أيضا عوامِل ذاتية واستغلال مُهين ومُذل لهذه الأوضاع من قبل اشخاص متنفِّذين عائِليًا او وصوليين لا يهمَّهم الا الوصول الى قمة الهرم، من اجل السُّلطة والتسلُّط والنفوذ، ولا يهم هذه المجموعات أيضا من الاذدِناب الكُلِّي والخُضوع لإرادة السلطة السياسية العامة التي تقمَع أي قوَّة او أي مجموعة تُحاول الخُروج عن خطّ سياستها ونهجها
المُعادي أصلا لمُجرَّد وجود الشَّعب الفلسطيني على ارضه ولذلك تمتنِع عن مُحاربة الآفات الاجتماعية المُتفاقِمة.
لا تتورَّع هذه المجموعات بشكل فردي او جماعي وخاصة عندما تتهيَّأ الظروف ويتوفَّر المزايِدون والمتسلِّقون واعوان السلطة وأذرُعها لتمتد كالأخطبوط الى كياناتنا الى ارواحنا فتقوضها او تحاول جادَّة.
من نافِل القول انَّ الديمقراطية هي وسيلة من اجل الوصول الى السِّلْم الاجتماعي في ترابُط حياتنا ومصيرنا المُشترك على المستوى المحلي والعام وممارستها، تتطلب منَّا وعيًا وادراكًا وثقافةً عالية، توصِلُنا الى مدارِك اعلى والى مجتمع مُنسجم مع نفسه بعيدًا عن العنف بعيدًا عن التقلُّبات والمسبِّبات الكثيرة التي أودت او تكاد بمجتمعنا الى التهلُكة من اجل مَصالح حفنَة من الأشخاص المتنفِّذين الذين لا هَمَّ لهُم الَّا الوصول الى السُّلطة او الى مراكز اتخاذ القَرار في سلَّم المُجتمع وحتى لو أدى هذا الوصول الى خراب مالطا.
نحن اليوم على أبواب جولة "ديمقراطية" أُخرى من الصِّراع والمنافسة، على السلطة المحلِّية والتي تأتينا مرَّة كل أربع او خمس سنوات تُدمِّر فيها ارواحنا وتهدم كياناتِنا ونسيجنا الاجتماعي، ليس لعيب فيها ولكن لعيب فينا في اغلب الأحيان، بغض النظر عن الأسباب والمُسبِّبات الموضوعية وهي كثيرة، كانحسار الدَّور الواعي للأحزاب السياسية، ولتغوُّل العائليَّة والحمائلية والطائفية البغيضَة، الى سُلطة غاشمة هدفها الأول وبسياسة مُمَنهجة لتحويلِنا من مُجتمع له مكوِّناته وخصوصياته الاجتماعية والثقافية والسياسية الى مجتمع مفتَّت مفكَّك الى طوائف وحمائِل ومِلل، ترسُم الخُطط وتجيِّر كلَّ نقيصَة في مُجتمعنا من اجل تغوُّل نفوذِها وسيطَرتها على جميع كياناتنا المعيشية الثقافية الاجتماعية والروحية.
مرت قريتنا خلال عقد ونيِّف من الزَّمان بتجرُبة قاسية في هذا المجال كادت ان تقوِّض أركانها وتحدِث شَرخًا عَميقًا وجرحًا غائرًا وانقسامًا طوليًا وعرضيًا من الصَّعب تجاوُزه، او كنسَه تحت البساط، كما يفعل مجتمع يلملم جراحه في اغلب الأحيان لنقول، كفى الله المؤمنين شر القتال، اليوم وفي لحظة الحقيقة علينا ان نفكر خارج الصندوق، صحيح اننا خرجنا من مرحلة الخطر، ولكننا مجتمع هش وقابل للوقوع مجددا من عليائنا، وعندها لن ينفع الندم.
هنا لا بد لنا من وضع الاصبع على الجُرح والوُقوف في لحظة تفكير عميق ومراجعَة الذَّات الجماعية والفردية واتخاذ القرارات العقلانية والمنطقية، ومحاولات جادة للخروج من هذا النَّفق المظلم باسم
الديمقراطية وتغليب المصلحة العامة على المنفعة الذاتية وتقويم الاعوجاج في حياتنا ولو مرحليا من اجل الوصول الى مجتمع سليم معافى من الامراض والاوبئة الاجتماعية والسلطوية التي لا تريد لنا خيرا.
ونحن نتحسس الطريق الاسلم لنا ولقريتنا في لحظة تاريخية فاصلة قبل الانتخابات بأشهر، في لحظة يمكن للمواطن ان يفكر بعقل وتعقل، بروية وموضوعية ويسال نفسه سؤال المليون:
هل يمكن ان نجنب قريتنا هذه الصراعات الملعونة عشية كل انتخابات، الصراعات الفئوية بكل اجناسها واصنافها والوانها وهي كثيرة متقلبة كالحرباءة حسب مصالح المرشحين وحسب اهوائهم ومطامعهم، فنجير الخاص للعام ونبيح المحرمات ونلغي المسلمات ونلقي الوعودات ويصبح كل شيء مباح من اجل الوصول الى قمة الهرم؟
نحن نستطيع ان نغير قواعد اللعبة الديمقراطية. واقصد هنا كل المجموعات والاطر الاجتماعية والسياسية المُكوِّنة للطيَّف الكوكبي الجميل.
نحن نستطيع ان نكتب عقدا اجتماعيا، ديمقراطيا إنسانيا حضاريا، نرسم فيه صورة حياتنا الاجتماعية والسياسية التي نريد، بعيدا عن كل ادران السياسة وموبقات الحضارة، نلتزم له وندافع عنه كدفاعنا عن كياننا ووجودنا.
نستطيع ان نطبق القانون الانتخابي بما يتلائم مع حياتنا الاجتماعية ويحافظ على تطورنا السليم الهادئ بعيد عن العنف والمماحكات والصراعات، فنطور قريتنا نحو المدنية والتمدن الحضاري الواعي كما نريد لها ان تكون، لا كما يريدون لنا ان نكون.
نستطيع ان نمارس ديمقراطيتنا بشكل واع وواضح ومفهوم،
نستطيع ان نجعل من عضوية المجلس هي الأهم وهي الأَجدر باهتمامنا، وهي الموازية لقوة الرئيس ونفوذه.
نرشح الأنسب والاقدر من ألوان الطيف الكوكبي، ننتخب مجموعة أعضاء تستطيع ان تقيِّد وتحد وتصوِّب عمل الرئيس، مجموعة أعضاء تستطيع ان توجِّه وترسم وتخطِّط وتقرِّر سياسة، وليس شخصًا واحدًا، يتمثل بشخص الرئيس.
تعالوا نتفق على مواصفات مرشح الرئاسة، عدد دورات ترشحه لا تتعدا الدورتين، مواصفاته الاجتماعية والسياسية وقدراته العلمية والثقافية
ومكانته الاجتماعية وسيرته الشخصية، ليقود العمل ويوجه السفينة من خلال المجموع، قيادة جماعية واعية.
نستطيع وبجدارة ان نتوقف عن المنافسة او الصراع المميت على السلطة.
يمكننا ان نقوم بذلك، يمكننا ان نكون سباقين اليه، ونعيش في قرية تخطو بثقة نحو المستقبل.
يمكننا ان نقطع الطريق على السلطة الحاكمة لتقطيع اوصالنا وجعلنا مجرد افراد لا رابط بينهم.
نعيش في قرية حباها الله بالجمال واعطاها من عطاياه، سحرا كوكبيا وجمالا طبيعيا، فراقت بعيون أبنائها ونامت هادئة في قلوبهم، زادتهم طبيعتها عزة وكرامة فازدادوا فخرا بها وانتماءً لها. 

 


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع مندا - 2013
(الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها فقط)

 ارسل لنا خبر  |  إتصل بنا

Powered by BldnaHitech
بلدنا هايتك - بناء وتصميم مواقع انترنت