قراءة في قصّة "عفيف يحبّ الرّغيف" للكاتب سهيل عيساوي.. بقلم: أ. محمود ريّان

قراءة في قصّة "عفيف يحبّ الرّغيف" للكاتب سهيل عيساوي.. بقلم: أ. محمود ريّان

 2017-12-31 07:01:01

إنّ هذه القصّة، وهي ليست الأولى في متوالية القصص المعدّة للأطفال والّتي يكتبها كاتبها المتخصّص في هذا النّوع الأدبيّ. إنّها قصّة نموذجيّة رائدة في هذا المجال، رغم بساطتها وحبكتها الواضحة. إنّني وعند قراءتي للقصّة واستعادة أحداثها في ذاكرتي، أدركت أنّ كاتبها سهيل يعيش عقليّة الطّفل في أطوار نموّه النّفسيّ والفكريّ والاِجتماعيّ(psychology-cognitive-sociology). فالقصّة مألوفة، إلّا أنّ روعتها تكمن في كونها تعلّم الطّفل كلّ طفل أمثال "عفيف" كشخصيّة مركزيّة كيفيّة صناعة رغيف الخب، بإرشاد الأمّ بشتّى مراحل الإنتاج. وقد رأينا عفيفًا عصاميًّا، أراد القيام بنفسه ببذر حبّات القمح في الأرض لتنمو وتصبح سنابل، وصولًا إلى موعد حصادها (انظر القصّة ص 21-22)، هذا عدا عن معرفة الطّفل بآلات الحصاد والعجن والخبز...




في المفهوم الشّامل عند قراءتنا للقصّة سيميائيًّا، لا بدّ من اِستحضار أربعة أمور فاعلة؛ الكاتب فالواقع فالنّصّ فالقارئ، كلّها تتفاعل معًا أدبيًّا وحضاريًّا وصولًا إلى القراءة التّفاعليّة الّتي تقود إلى بناء المعنى والدّلالة.

الكاتب يصدر عن واقع يحياه؛ واقعه المحلّيّ بكلّ مكوّناته وأطيافه، فيختار موضوع

قصّته من حياته أو بيئته الحياتيّة، ويحيك نصًّا تعليميًّا فنّيًّا بأدواته الخاصّة مسبغًا رؤيته الفكريّة والفنّيّة وفق حبكة مرسومة، تنطلق من حبّ استطلاع وشقاوة عفيف، في تنقيبه عن سرّ صناعة الرّغيف من الدّقيق، وتتطوّر القصّة وتتصاعد في الحدث وصولًا للنّهاية...وعفيف يغطّ في نوم عميق يحلم بالرّغيف!



والآن سأقوم بقراءة القصّة سيميائيًّا وفق رؤية رباعيّة وهي، الاِختزال... المعنى في القصّة... الدّلالة فيها... قصد الكاتب.

أوّلًا-اختزال القصّة: تقوم القصّة على علاقة شخصيّة "عفيف" مع أمّه حول صنع الرّغيف، وهذا يبدو من العنوان المسجوع "عفيف يحبّ الرّغيف"، فهذا العنوان يمتح في بنيته ودلالته من التّراث العربيّ بشكل خاصّ، ويلقي بثقله على المعنى العامّ.

عفيف يحاور أمّه متوصّلًا لكيفيّة صناعة الرّغيف من الدّقيق مستحضرًا المراحل المختلفة في حياة حبّة القمح، ويُعوّل على أمّه في تجربة إنبات القمح في حديقته. كلّ ما يقوم به من أجل التعرّف على سرّ طعم الرّغيف اللّذيذ، بتجربته الطّفوليّة الماتعة الّتي لا يُعوّل عليها بشيء!

ثانيًا- المعنى في القصّة: بنظري معنى القصّة واضح، خاصّة وأنّ موضوعها هو صنع الرّغيف؛ رغيف الخبز الّذي هو قوام حياة الإنسان أيّ كان. دون الرّغيف لا

تقوم للحياة قائمة، ولا يسدّ الواحد جوعه. وقد ورد "الخبز" كموتيف هامّ في الكتب المقدّسة؛ القرآن الكريم والإنجيل بصورة خاصّة فهو قوام الحياة ومناط حياة الإنسان منذ القدم.  والمعنى نتعرّف عليه بسرعة ولا يحتاج إلى جهد لاستخلاصه، كونه يرتبط بالكاتب ذاته. يهمّنا هنا المعنى الموظّف بالأساس

في خدمة الطفل الباحث عن الفائدة فهو وظيفيّ (Function)، يحمل القارئ على التمعّن في المفهوم بإسقاطه على القصّة ذاتها. الريف مرتبط بالحياة والطّبيعة والإنسان أو الفلّاح المثابر الّذي يزرع وينتج، وبالتّالي هذا يقود إلى صراع البقاء، في ظلّ تفاقم ظروف المعيشة واضمحلال الفرد البسيط مع لقمة عيشه، وإمعان الطّفل وتصميمه على البقاء وعيش الكرامة رغم كيد الكائدين المنتهكين لحقوق الطّفولة في العالم العربيّ بشكل خاصّ!...



ثالثًا- الدّلالة في القصّة: الدّلالة بشكل عامّ ترتبط بالقارئ بالدّرجة الأولى، فيجوز أن نختلف حولها، واختلافها يأتي من تعدّد القرّاء واختلاف مفاهيمهم وأذواقهم. فكلّ قارئ يضطّلع بدلالة من عنده. فإذا كان المعنى يدور حول الرّغيف، وضروريّ جدًّا أن يكون بين العائلة ليمكنها أن تقيم أوَدَها وصُلبها. الذّلالة تتجاوز ذلك، من المباشرة في المعنى إلى المغايرة؛ وهو أنّه لا تقوم لنا قائمة، صغيرنا وكبيرنا، ذكرنا وأنثانا إلّا باستثمار الأرض حتّى تكون معول البناء في المجتمع. فالقمح هو من أدوات الأرض ولا نتصوّر حياة بدونه. فهو يحتاج إلى تربة صالحة ليمكننا اِستنباته، وصولًا إلى حصاده. وهكذا لا يمكننا التّسليم بإنتاج الطّحين والرّغيف دون تهيئة الظّروف واستصلاح الأرض وزرعها لتدرّ علينا أفضل محصول.

الطّفل عفيف في القصّة هو الإنسان المكافح العصاميّ، الّذي يقضّ مضجعه عدم معرفة الطّريقة بمجملها للوصول إلى المنتوج، فهو يريد أن يغامر مع الأرض ويعرف سرّ نبتة القمح، وليس أكل الرّغيف جاهزًا. هذا يوصلنا إلى المفهوم العامّ (Overall Meaning). جاء في القصّة "أريد أن أزرع القمح في حديقة بيتنا؛ لأراقب عن قرب حبّات القمح حتّى تصير سنابل تحمل حبّات القمح السّمينة، وسنطحنها. ومن ثمّ نخبزها في فرننا ونُوزّع الخبز اللّذيذ على الجيران والأصحاب ولا ننسى إطعام العصافير. ص 16).

إنّ القراءة الجيّدة تعيد بناء القصّة (Reconstruction) كما يرى ذلك النّاقد الأمريكيّ السّيميائيّ (هيرش) E.D. Hirsch، إذ إنّ عمليّة التّأويل تحتاج إلى النّظر ما وراء المعنى، في محاولة لمعرفة نيّة الكاتب عندما شرع في بناء قصّته (المسوّدة الأولى للقصّة).

رابعًا_ القصديّة في القصّة: في قراءة للقصّة، أيّة قصّة، نراهن دائمًا على قصديّة الكاتب، كوننا لا نستطيع الوصول للقصد المباشر للكاتب في عمله الأدبيّ. وبما أنّنا نتعامل مع قصّة للأطفال، وكاتبها معروف في السّاحة الأدبيّة المحلّيّة، فإنّ القصد يُضحي واضحًا بخلاف قصص الكبار الّتي على الغالب يكون القصد اِنطباعيًّا ولا ندركه تمامًا، بل نقاربه ونجتهد في التّأويل. في القصّة الّتي نحن فيها نجد كاتبها واضحًا وقصده وراء لسانه. لا يقلق الكاتب بنظري فقط إنتاج الطّحين وصناعة الرّغيف؛ بل الكاتب ما يراه على المحكّ هو بناء جيل من الأطفال الّذين يُهمّهم كلّ مرحلة من مراحل البناء والإنتاج، ولا يهتمّون فقط بالمنتوج النّهائيّ فيهضمونه بأيّة طريقة. نام الطّفل وهو يحلُمُ بالحقل والسّنابل ورغيف الخبز والعصافير الّتي تنتظر موعد الحصاد. فهو ينام ويفكّر في مكوّنات البناء والإنتاج المحلّيّ الّذي لا تطاله أيدٍ غريبة فيشوبه عندها رداءة في الجودة وتراجع في الطّلب. فالجودة هي سرّ نجاح تسويق المنتوج أيٍّ كان. في هذه القصّة وصلنا إلى وعي الطّفل الموصل إلى الوعي الإنسانيّ الجمعيّ بالضّرورة Collective Humanity Cognitive) ) وذلك في ضرورة بناء الأرض واِستصلاحها وتهيئتها لتعطي أفضل إنتاج، وهذا كلّة مشروط بصلاح تربية الطّفل، وبناء شخصيّة فاضلة متّزنة تنظر إلى المستقبل بذكاء مشرق وليس لحاضرها الرّاهن فقط. تسير بخطًى راصدة لا تهجعُ إلّا قليلًا!

وأخيرًا أرجو للكاتب سهيل التّفوّق في قصصه الهادفة والتّميّز في الإبداع...  


بقلم: أ. محمود ريّان                                                       




جميع الحقوق محفوظة لدى موقع مندا - 2013
(الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها فقط)

 ارسل لنا خبر  |  إتصل بنا

Powered by BldnaHitech
بلدنا هايتك - بناء وتصميم مواقع انترنت